كتب / سعيد فارس السعيد
ليست نبل والزهراء مجرد مدينتين في ريف حلب الشمالي، بل هما حالة سورية شديدة الخصوصية، يمكن من خلالها قياس مدى صدق وجدية أي سلطة في التعامل مع المكونات الوطنية المختلفة، بعيداً عن الشعارات والخطابات.
فجميع أهالي نبل والزهراء من أبناء الطائفة الشيعية الجعفرية الاثني عشرية، وهما اكبر تجمع شيعي في سورية حيث يبلغ عددهم قرابة ٨٠ الف نسمة من اصل ٣٠٠ الف نسمة في كل سورية .
وقد كان عدد كبير من شباب ورجال وفعاليات المدينتين خلال السنوات الماضية ضمن صفوف حزب الله، أو ضمن القوات التي كانت تعمل بإشراف مستشارين إيرانيين.
وعندما دخلت قوات الثورة إلى حلب في الساعات الأولى لتحريرها، ووصلت رسائل ونداءات تؤكد أن المرحلة الجديدة ستكون تحت شعار «فتح بلا انتقام»،
ترك كثير من هؤلاء الشباب والرجال أسلحتهم ومواقعهم، وعادوا إلى بيوتهم في نبل والزهراء.
لكن حالة الخوف والقلق، وما رافقها من إعلام مضلل وشائعات، دفعت أهالي المدينتين إلى النزوح الجماعي، فتوجهوا إلى منطقة السفيرة، ومنها إلى دمشق، وأصبحت نبل والزهراء في تلك المرحلة خاليتين تقريباً من سكانهما.
وهنا تبرز نقطة مهمة في طريقة التعامل مع هذه الحالة.
فبحسب ما شهدته تلك المرحلة، صدرت توجيهات من الرئيس أحمد الشرع آنذاك إلى قوات الثورة بعدم دخول أي بيت من بيوت نبل والزهراء، والتأكيد على التواصل مع الأهالي، أينما كانوا، في السفيرة أو دمشق أو غيرهما، والعمل على طمأنتهم وتشجيعهم على العودة، مع توفير الأمن والأمان لهم.
وبعد تحرير حماة وحمص ودمشق، عاد أهالي نبل والزهراء، والتزموا بتسليم ما تبقى لديهم من أسلحة، وأجروا التسويات المطلوبة، وانتقلت العلاقة من حالة الخوف وعدم اليقين إلى حالة من الاستقرار والتعايش داخل الدولة السورية الجديدة.
ومنذ ذلك الوقت وحتى لحظة كتابة هذا المقال، بقي أهالي نبل والزهراء، بحسب ما عبّروا عنه في مناسبات وفعاليات مختلفة، يعيشون في أجواء من الأمن والأمان والاهتمام والرعاية.
والأهم من ذلك أن أهالي المدينتين عبّروا، من خلال مسيرات شعبية ومهرجانات وفعاليات عامة في مناسبات متعددة، عن تأييدهم للعهد الجديد، وللرئيس أحمد الشرع وقيادته وحكومته.
كما اصدر احد اهم الصحفيين والكتاب والمفكرين من اهالي نبل المقيم في لبنان عدة كتب تراثية وشعرية اهداء للرئيس احمد الشرع .
نبل والزهراء... الاختبار العملي.
قد يختلف السوريون في السياسة، وقد تختلف المواقف من العهد الجديد ومن الرئيس أحمد الشرع، وهذا أمر طبيعي في أي مرحلة انتقالية.
لكن الحكم على سياسة الدولة تجاه المكونات الوطنية لا ينبغي أن يكون من خلال الشائعات أو الحملات الإعلامية، وإنما من خلال الوقائع الميدانية وطريقة تعامل مؤسسات الدولة مع المواطنين.
ومن هذه الزاوية، تمثل نبل والزهراء حالة مهمة للغاية.
فأهالي المدينتين لم يكونوا جميعاً على موقف سياسي واحد، كما أن بعض أبنائهما كانوا في تشكيلات عسكرية مرتبطة بقوى إقليمية لأسباب وظروف كثيرة قمنا بتوضيحها بمقالات سابقة ..
ومع ذلك، فإن الانتقال من مرحلة السلاح والصراع إلى مرحلة التسوية والعودة والاستقرار، من دون تحويل الانتماء المذهبي إلى تهمة جماعية، يمثل نموذجاً يمكن البناء عليه في سورية.
وهنا تكمن أهمية نبل والزهراء.
فالدولة التي تريد بناء سورية جديدة لا تستطيع أن تبنيها بمنطق المنتصر والمهزوم، ولا بمنطق الأكثرية والأقلية، وإنما بمنطق المواطنين المتساوين أمام الدولة والقانون.
وهذا ما حصل ويحصل في نبل والزهراء ...
فلا أحد يستطيع إلغاء الحقيقة
ويمكن للإعلام السياسي أن يختلف، ويمكن للخصوم أن يتبادلوا الاتهامات، ويمكن لكل طرف أن يقرأ الأحداث من زاويته.
لكن الوقائع على الأرض تبقى أكثر قوة من الحملات الإعلامية.
وإذا كانت تجربة نبل والزهراء قد انتقلت من الخوف والنزوح والسلاح إلى العودة والتسوية والأمن والاستقرار، ثم إلى مشاركة الأهالي في الحياة العامة والتعبير عن مواقفهم السياسية، فإن هذه التجربة تستحق أن تُقرأ بهدوء وموضوعية،
لا أن تُستخدم وقوداً للفتنة المذهبية.
وسورية الجديدة لا تُبنى بإقصاء أحد.
إن مستقبل سورية لن يكون مستقراً إذا شعر أي مكون من مكوناتها بأنه مستهدف بسبب مذهبه أو دينه أو قوميته أو منطقته.
وسورية الجديدة وعلى لسان الرئيس الشرع لديها رسالة واضحة:
لا مواطن درجة أولى، ولا مواطن درجة ثانية؛
ولا يجوز أن يتحول الانتماء الديني أو المذهبي إلى سبب للعقاب الجماعي أو الإقصاء السياسي.
ومن هنا يمكن القول إن نبل والزهراء تمثلان ميزاناً حقيقياً لقياس طريقة تعامل العهد الجديد مع المكونات الوطنية الأخرى.
خلاصة القول:
إن نموذج ما حصل وما يزال يحصل في نبل والزهراء، حتى لحظة كتابة هذا المقال، يمثل نموذجاً واضحاً لأرقى وأفضل نهج وسلوك للثورة وللعهد الجديد في سورية، في كيفية التعامل مع مكوّن وطني ومذهبي له خصوصيته، والانتقال به من حالة الخوف والنزوح والسلاح إلى حالة الأمن والأمان والتسوية والعودة والمشاركة في الحياة العامة.
وهو، في الوقت نفسه، نموذج يعكس ما يمكن وصفه بفكر ونهج وسلوك الرئيس أحمد الشرع وقيادته العسكرية والأمنية والسياسية، في الانتقال من مرحلة الصراع إلى مرحلة الدولة، ومن منطق الثأر والانتقام إلى منطق الأمن والأمان والمواطنة والتعايش.
إن ما جرى في نبل والزهراء يقول بوضوح إن الانتماء المذهبي لا ينبغي أن يكون سبباً للعقاب الجماعي، وإن المواطن السوري، مهما كان دينه أو مذهبه أو قوميته أو منطقته، يجب أن يشعر بأن الدولة هي دولته، وأن أمنه وكرامته وحياته مصانة.
ولهذا فإن نبل والزهراء ليستا مجرد حالة محلية في ريف حلب الشمالي، بل يمكن أن تكونا ميزاناً سورياً حقيقياً للحكم على جدية العهد الجديد في حماية المكونات الوطنية، وترسيخ المواطنة، ورفض الانتقام والإقصاء والتمييز.
فالذي يريد أن يعرف كيف يمكن أن تُبنى سورية الجديدة، عليه أن ينظر إلى نبل والزهراء، وإلى ما حصل فيهما وما يزال يحصل، بعيداً عن الضجيج الإعلامي ومحاولات التشويه.
فسورية الجديدة لا تقصي اي مكوّن من مكوناتها، وإنما تقوم بحماية الجميع،
ويعمل العهد الجديد لبناء دولة يشعر فيها كل سوري، أياً كان دينه أو مذهبه أو قوميته، أنه شريك كامل في وطنه ومستقبله.
سعيد فارس السعيد
كاتب وباحث استراتيجي مستقل