كتب إسماعيل النجار،
حين يتحوّل الذكاء الإصطناعي من أداة معرفة إلى رَحمٍ للاستنساخ!.
ولم يعُد مجرّد أداة مساعدة في البحث أو الصياغة، بل تحوّل عند كثيرين إلى رَحمٍ صناعي يُنتج كتّابًا ومحللين سياسيين بالجملة. مستنسخون يتكاثرون بسرعة كالنعجة "دولّي"، يتسابقون نحو تذييل المقالات بأسمائهم، بينما يقف العقل الحقيقي الذي لم يقرر النص خلف جدارٍ سميك من عقولهم.
.الذكاء الإصطناعي يكتب لغة عربية سليمة، وتركيب محكم، أفكار مصقولة، ومصطلحات فلسفية وأكاديمية توحي بعمقٍ معرفي يضاهي كبار المفكرين العرب والغربيين. لكن هذه الصورة المتقنة لا تصمد طويلًا؛ فحين يُوضَع هؤلاء أمام اختبار المواجهة المباشرة، على شاشات التلفزة أو في النقاش الحي، تتكشّف الحقيقة حيث يبآن للعلَن الفراغ المعرفي، وضعف الفهم، وغياب الحِرَفية، وانعدام الكاريزما.
.أيها الإخوة؛ ليس الإشكال في إستعمال الذكاء الاصطناعي، بل المشكلة تكمن في مَن اختبأ خلفه. تكمُن في أولئك الذين استبدلوا رحلة التعلّم الشاقّة، وتراكم الخبرة، ومشقّة التفكير، بزرٍّ يضغطونه، فيخرج لهم نصّ لا يشبههم، ولا يعكس مستواهم الحقيقي، ولا يمثّل وعيهم.
من هذا الوجع، أجدني أناشد الذكاء الاصطناعي نفسه وأقول له متمنياً عليه؛ تمهّل، تحقّق، واضبط إنتاجك على مقاس عقول مستخدميك!
لأن مناشدة هؤلاء بأن يرحموا عقول الناس، وأن يتقوا الله في ما يقدّمونه، وأن يتعالوا على الوجاهة الزائفة، لن تُجدي نفعاً. بل غالبًا ما تقابل بالتخوين أو الشتم، أو في أسوأ الأحوال بصناعة عيوبٍ جديدة عبر الذكاء الاصطناعي ذاته، ودسّها في خصومهم.
إلى أين نمضي أيها الإخوة بعد هذا الغرور الاصطناعي؟
.فحين يصبح الذكاء بديلاً عن الوعي، واللغة قناعًا للفقر المعرفي، والمقال شهادة زور باسم الثقافة؟ نصبح كالروبوت نفقد قيمتنا البشرية.
.أيها القُرَّاء الإعزاء إن إضافة معلومات وتحليل عن ظاهرة «الكتّاب بالذكاء الاصطناعي» والخلط بين الأداة والهوية؟ يحتاج إلى إختبارات علمية تكشف أولئك الذين أصبحوا اليوم كُتَّاباً بارزين!.
.الذكاء الاصطناعي أيها الإخوة أداة تكنولوجية، لا يمنح هوية فكرية. الكاتب الحقيقي يُعرَف بموقفه، بتناقضاته، بخط تطوّره، وبأخطائه أحيانًا. النص المصنوع آليًا غالبًا ما يكون نظيفًا أكثر من اللازم لا تشوبه شائبة، مـن لديه المعرفه ويقرأه يشعر بأنه بلا بصمة شخصية.
كثير من النصوص التي يولدها الذكاء الاصطناعي تعتمد على تعميمات ذكية الصياغة، وربط مصطلحات كبيرة دون موقف حاسم، أو توازن بين حلقات الموضوع تستطيع كشفه إذا ما قرأت بتأنِّي ودققت بهدوء.
.الذكاء الإصطناعي يعطي إيحاءً بالعمق، بينما هو في الحقيقة سطح مصقول. إن انفصام النص عن صاحبه
أخطر ما في الأمر، لأن الكاتب الآلي لا يستطيع الدفاع عن نصّه. لا يشرح لك بالتفصيل، لا يُحاججك، لا يُفكك. لأنه لم يفكّر أصلًا، بل استلم منتجًا جاهزًا.
.البعض إخوَتي القُرَّاء سعى إلى تشويه المجال العام، لأنه حين تتكاثر هذه الظاهرة يُظلَم الكاتب الحقيقي، ويُضلَّل القارئ، وتُفرَّغ الثقافة من قيمتها، ويتحوّل النقاش العام إلى مسابقة صياغة، لا صراع أفكار.
.هذا هو رأيي الصريح كما كتبت
أنا لا أرى المشكلة في أن يستعين الكاتب بالذكاء الاصطناعي.
المشكلة حين يستعين به ليكون هو الكاتب ويصبح كاتب.
.الذكاء الاصطناعي وُجِدَ ليساعد مَن يمتلك الفكرة والمعرفة لكي يختصر الوقت، ويساعد على التدقيق اللغوي ويمحي الأخطاء الإملائية، ويصقل لغة من له موقف لكنه لا يجب أن يمنح ألقابًا فكرية، أو يصنع محللين من فراغ
يخلق سلطة ثقافية وهمية،
.الكاتب الحقيقي لا يخاف من الذكاء الاصطناعي، لأن فكره أعمق من أن يُستنسخ. أما الكاتب المُزيّف، يخاف من لحظة يُطلب منه فيها أن يتكلم بلا شاشة وبلا زر.
هونيك المصيبة.