مسؤولية دينية وأخلاقية وإنسانية لا يجوز التنصّل منها
إعلان تأسيس اللجنة الأهلية المستقلة لرعاية السوريين الشيعة في لبنان ومتابعة قضاياهم وحقوقهم الإنسانية
مقدمة:
من تشخيص المعاناة إلى العمل المنظّم
انطلاقًا من المسؤولية الدينية والأخلاقية والوطنية والإنسانية، وحرصًا على كرامة السوريين الشيعة المقيمين في لبنان وحقوقهم، وفي ظل تراكم القضايا الإنسانية والاجتماعية والقانونية التي تواجه عددًا منهم، تبرز الحاجة إلى الانتقال من تشخيص المعاناة ووصفها إلى عمل أهلي منظّم، مسؤول ومستقل، يتابع القضايا ويعمل على معالجتها بالتعاون مع الجهات الرسمية والحقوقية والإنسانية المختصة.
لقد شهدت السنوات الماضية، ولا سيما خلال العامين الأخيرين وحتى اليوم، تراكمًا في ملفات الإقامة والعمل والاحتياجات الإنسانية وطلبات الحماية والشكاوى، الأمر الذي يستدعي التشاور مع الشخصيات والقامات الروحية السورية واللبنانية، والفعاليات الاجتماعية، والجهات المعنية، للوصول إلى آلية عملية تحفظ كرامة الناس، وتصون حقوقهم، وتتيح لهم إيصال مطالبهم إلى الجهات المختصة بعيدًا عن التسييس والاستغلال والتمييز.
وفي هذا السياق، يأتي الإعلان عن تأسيس اللجنة الأهلية المستقلة لرعاية السوريين الشيعة في لبنان ومتابعة قضاياهم وحقوقهم الإنسانية، بوصفها مبادرة أهلية مستقلة تسعى إلى تنظيم الجهود، وتوحيد الأولويات، ومتابعة الملفات، وفتح قنوات التواصل مع المؤسسات المعنية، بما يخدم الإنسان ويحترم القوانين والسيادة اللبنانية.
إن هذه المبادرة لا تنطلق من الرغبة في صناعة زعامة أو احتكار تمثيل أحد، بل من الإيمان بأن كرامة الإنسان وحقوقه مسؤولية مشتركة، وأن معالجة القضايا المتراكمة تحتاج إلى عمل مؤسسي واضح، وإلى تعاون جاد بين السوريين المعنيين والجهات اللبنانية والسورية والحقوقية والإنسانية المختصة.
أولًا:
الهيكل التنظيمي للجنة
تقوم اللجنة على هيكل تنظيمي يهدف إلى تنظيم العمل وتوزيع المسؤوليات وضمان المتابعة الميدانية، وفق الآتي:
1. رئاسة اللجنة:
تتألف رئاسة اللجنة من خمسة أعضاء يتولون الإشراف على عمل اللجنة، وتحديد أولوياتها، ومتابعة تنفيذ برامجها، والتنسيق مع الجهات المعنية.
2. مندوبو اللجنة:
يتألفون من خمسين مندوبًا موزعين على المدن والبلدات والقرى اللبنانية التي يقيم فيها سوريون شيعة، بهدف متابعة القضايا الميدانية، ورصد الاحتياجات، وتلقي الشكاوى، وإيصالها إلى رئاسة اللجنة وفق آلية عمل منظمة.
ويُراعى في اختيار أعضاء رئاسة اللجنة ومندوبيها معيار الكفاءة والنزاهة والاستقلالية والقدرة على العمل الأهلي، والالتزام بحقوق الإنسان وكرامته، واحترام القوانين المرعية في لبنان، والابتعاد عن الاصطفافات السياسية والحزبية التي قد تعيق العمل أو تحوّله عن أهدافه الإنسانية.
و سيقوم العمل على التشاور والتعاون والمساءلة الداخلية، بما يمنع التفرد بالقرار أو استغلال الموقع لتحقيق مصالح شخصية أو فئوية.
ثانيًا:
موعد بدء العمل والمقر الرسمي للجنة
تعلن اللجنة أن موعد بدء أعمالها رسميًا سيكون في الأول من تشرين الثاني/نوفمبر 2026، الموافق 1/11/2026.
وسيكون للجنة مكتب ومقر في بيروت، على أن يُعلن عنوانه رسميًا في وقت لاحق، بعد استكمال الترتيبات اللازمة لبدء العمل.
ويهدف وجود المقر إلى تنظيم استقبال الملفات والشكاوى، وتنسيق أعمال رئاسة اللجنة ومندوبيها، وتسهيل التواصل مع المؤسسات الرسمية والحقوقية والإنسانية، ومتابعة القضايا وفق آليات واضحة تحفظ حقوق أصحابها وكرامتهم.
ثالثًا:
مهام اللجنة وأهدافها
تتمثل مهام اللجنة وأهدافها الأساسية في الآتي:
1. متابعة قضايا الإقامة والعمل
متابعة القضايا المتعلقة بالإقامة القانونية والعمل والأوضاع الاجتماعية للسوريين الشيعة المقيمين في لبنان، والعمل على إيصال مطالبهم إلى الجهات المختصة، بما يتوافق مع القوانين اللبنانية والإجراءات المعمول بها.
2. متابعة الملفات الإنسانية وطلبات الحماية
رصد الحالات الإنسانية والاجتماعية التي تحتاج إلى متابعة، والمساعدة في توجيه أصحابها إلى المؤسسات والجهات المختصة، بما في ذلك الجهات الحقوقية والإنسانية، ومتابعة طلبات الحماية والمساعدات وفق المعايير والإجراءات المعتمدة، دون تقديم وعود لا تملك اللجنة صلاحية تنفيذها.
3. استقبال الشكاوى وتوثيقها ومتابعتها
إنشاء آلية منظمة لاستقبال الشكاوى والمظالم، وتسجيلها وتوثيقها والتحقق من المعلومات المتاحة بشأنها، ثم إحالتها إلى الجهات المختصة ومتابعتها وفق طبيعة كل حالة، مع الالتزام بالحياد والموضوعية وعدم إطلاق الأحكام أو توجيه الاتهامات قبل التحقق.
4. آلية استقبال الشكاوى وتسجيلها والتحقق منها ومتابعتها
تعتمد اللجنة آلية موحّدة لاستقبال الشكاوى والطلبات الإنسانية، سواء مباشرةً من أصحاب العلاقة، أو عبر مندوبي اللجنة، أو من خلال قنوات الاستقبال الرسمية التي ستُعلن لاحقًا.
تُسجّل كل شكوى في سجل خاص، ويُمنح صاحبها رقمًا مرجعيًا لمتابعتها، مع تحديد طبيعتها وتاريخ استلامها والإجراءات المتخذة بشأنها. وتُصنّف الشكاوى بحسب الأولوية، مع إعطاء الحالات الطارئة التي تهدد سلامة الأشخاص أو حقوقهم الأساسية أولوية في المتابعة.
وتتولى الجهة المختصة داخل اللجنة مراجعة المعلومات والوثائق المتاحة والتحقق الأولي منها، وطلب استكمال المعلومات عند الحاجة، ثم متابعة الشكوى أو إحالتها إلى الجهة الرسمية أو الحقوقية أو الإنسانية المختصة، وفق طبيعتها وصلاحيات اللجنة. كما تُوثّق إجراءات المتابعة، ويُبلّغ صاحب الشكوى بالمستجدات الأساسية متى أمكن، وتُسجّل نتيجة المتابعة أو أسباب تعذّر استكمالها.
وتعتمد اللجنة سجلًا موحّدًا للشكاوى ونموذجًا موحّدًا لاستقبالها، بما يضمن تنظيم الملفات ومنع ضياعها أو تكرارها، وإمكانية مراجعة الإجراءات المتخذة بشأنها.
5. حماية البيانات الشخصية وسرية الشكاوى
تلتزم اللجنة بالحفاظ على سرية الشكاوى والبيانات والوثائق المتعلقة بها، وقصر جمع المعلومات والاطلاع عليها واستخدامها على ما تقتضيه ضرورة المتابعة. ولا يجوز نشر هذه المعلومات أو مشاركتها خارج نطاق الجهات المخوّلة إلا بموافقة صاحب العلاقة أو عند وجود مسوّغ قانوني أو ضرورة تقتضيها حماية المصالح الإنسانية، مع مراعاة سلامته وخصوصيته.
وتُحفظ السجلات والوثائق بوسائل آمنة، وتُتخذ التدابير اللازمة لحماية أصحاب الشكاوى من كشف هوياتهم أو تعرّضهم للتهديد أو الانتقام أو الاستغلال أو التمييز، وفقًا للقوانين المرعية. كما تلتزم اللجنة بالتعامل مع جميع الشكاوى بحياد واحترام وكرامة، دون تمييز بين أصحابها.
6. التنسيق مع المرجعيات الدينية والسياسية والاجتماعية
فتح قنوات تواصل وتنسيق مع المرجعيات الدينية والشخصيات الروحية والفعاليات السياسية والاجتماعية، في لبنان وسورية، بما يساعد على معالجة القضايا المطروحة وتخفيف المعاناة، ضمن إطار يحترم استقلالية اللجنة ودورها الأهلي.
7. متابعة الحالات الطارئة
العمل على رصد الحالات الطارئة التي تستدعي تدخلًا سريعًا، وتوجيهها إلى الجهات الرسمية والإنسانية المختصة، ومتابعة ما يمكن متابعته ضمن إمكانات اللجنة وصلاحياتها.
8. التواصل مع المؤسسات الحقوقية والدولية
التواصل مع المؤسسات الحقوقية والإنسانية المحلية والدولية، والجهات التابعة للأمم المتحدة، بما فيها المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين ومكتب حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة، لعرض القضايا الموثقة وطلب المتابعة وفق الاختصاصات والإجراءات المعتمدة.
9. تمكين الراغبين في العودة إلى سورية الجديدة
العمل على تمكين وتشجيع كل من يرغب في العودة إلى سورية الجديدة، ومساعدته في الوصول إلى المعلومات والجهات المختصة، ومتابعة ما يرتبط بعودته من قضايا ووثائق واحتياجات، مع التأكيد أن العودة يجب أن تكون طوعية وآمنة وكريمة، وألا تتم تحت الضغط أو الإكراه، وأن يُترك القرار لصاحب العلاقة وفق ظروفه وإرادته.
10. تعزيز الوعي بالحقوق والواجبات
المساهمة في نشر الوعي بالحقوق والواجبات القانونية والإنسانية، وتشجيع الاحتكام إلى المؤسسات والقوانين، ورفض خطاب الكراهية والتحريض والتمييز، وتعزيز العلاقات الإيجابية بين السوريين والمجتمع اللبناني المضيف.
رابعًا: برنامج التحرك واللقاءات
تعتزم اللجنة، بعد بدء أعمالها واستكمال ترتيباتها التنظيمية، العمل على إعداد برنامج لقاءات رسمية مع الجهات المعنية، بهدف عرض القضايا والأولويات، وطلب التعاون في معالجتها، ومن أبرز هذه الجهات:
1. نائب رئيس مجلس الوزراء اللبناني، الدكتور طارق متري، لعرض أهداف المبادرة والقضايا التي تحتاج إلى تنسيق على المستوى الحكومي.
2. المسؤولون اللبنانيون المعنيون بشؤون السوريين، لمناقشة ملفات الإقامة والعمل والقضايا الإنسانية والإجراءات التي يمكن أن تسهم في معالجة المشكلات القائمة.
3. القائم بأعمال سفارة الجمهورية العربية السورية في بيروت، لعرض أوضاع السوريين الشيعة المقيمين في لبنان، وبحث سبل التنسيق في القضايا القنصلية والاجتماعية والإنسانية، ومتابعة ما يتصل بالراغبين في العودة إلى سورية الجديدة.
4. المرجعيات الدينية والفعاليات الشيعية في لبنان، للتشاور حول المسؤولية الدينية والأخلاقية والإنسانية، وحشد الدعم المعنوي والمؤسسي لمعالجة القضايا المطروحة، بعيدًا عن التسييس والاستغلال.
5. رؤساء الكتل النيابية ومسؤولو مجلس النواب اللبناني، لعرض الملفات التي تحتاج إلى متابعة تشريعية أو رقابية أو إلى تواصل مع الجهات الرسمية المختصة.
6. ممثلو الأمم المتحدة والمفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، لبحث سبل متابعة الحالات الإنسانية وطلبات الحماية والملفات التي تدخل ضمن اختصاصاتهم.
7. مكتب حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة والجهات الحقوقية المختصة، لعرض الشكاوى الموثقة التي تستدعي المتابعة، وطلب التعامل معها وفق المعايير والإجراءات الحقوقية المعتمدة، مع مراعاة سرية البيانات وسلامة أصحاب الشكاوى.
8. الشخصيات والقامات الروحية السورية واللبنانية، للتشاور حول المبادرة وأهدافها، وتعزيز التعاون والتكافل، وإيجاد مقاربة مسؤولة تحفظ كرامة الإنسان وحقوقه، وتبتعد عن الانقسام والتحريض.
وتؤكد اللجنة أن هذه اللقاءات تأتي في إطار السعي إلى التعاون والحوار المؤسسي، وأن إدراج أي جهة ضمن البرنامج لا يعني أن موعد اللقاء قد حُدّد أو أن موافقة مسبقة قد صدرت عنها.
خامسًا:
طبيعة اللجنة واستقلاليتها
إن اللجنة الأهلية المستقلة لرعاية السوريين الشيعة في لبنان ومتابعة قضاياهم وحقوقهم الإنسانية هي مبادرة أهلية مستقلة، ذات طابع إنساني واجتماعي وحقوقي، وليست حزبًا سياسيًا أو تنظيمًا دينيًا، ولا تعمل لحساب أي جهة سياسية أو حزبية.
كما أنها ليست صندوقًا لتوزيع المساعدات المالية، ولا بديلًا عن المؤسسات الرسمية اللبنانية أو السورية، ولا عن المؤسسات الدولية والحقوقية المختصة، وإنما تسعى إلى تنظيم المتابعة وتوثيق القضايا وإيصالها إلى الجهات المعنية، والعمل على تسهيل الوصول إلى الحلول المتاحة.
ولا تدّعي اللجنة احتكار تمثيل السوريين الشيعة المقيمين في لبنان، ولا تنتقص من دور أي شخصية أو مرجعية أو مؤسسة قائمة، بل تنطلق من الحاجة إلى مبادرة أهلية منظّمة تُكمل الجهود الإيجابية، وتفتح المجال أمام التعاون والمساءلة وتبادل المعلومات ضمن الأطر القانونية والإنسانية.
وتؤكد اللجنة احترامها الكامل للقوانين اللبنانية وسيادة الدولة اللبنانية ومؤسساتها، كما تحرص على صون كرامة السوريين وحقوقهم، والتعاون مع الجهات السورية المعنية في القضايا التي تدخل ضمن اختصاصها.
سادسًا:
إعلان المسؤولية والموقف.
إن تأسيس هذه اللجنة يأتي استجابةً لحاجة إنسانية واجتماعية تستدعي عملًا منظّمًا ومسؤولًا، بعيدًا عن المزايدات والخطابات التي لا تُترجم إلى خطوات عملية.
فالقضايا الإنسانية لا تُعالج بالشعارات وحدها، بل بالتوثيق والمتابعة والتنسيق والشفافية، وبالاستماع إلى أصحاب المعاناة، واحترام خصوصيتهم وكرامتهم، والعمل على إيصال مطالبهم إلى الجهات القادرة على معالجتها.
كما أن مسؤولية المرجعيات الدينية والشخصيات الاجتماعية والسياسية لا تقتصر على المواقف العامة، بل تشمل المساهمة في فتح الأبواب أمام الحلول، وتخفيف معاناة الناس، وتعزيز ثقافة الاحتكام إلى القانون والمؤسسات، ورفض استغلال الحاجات الإنسانية في أي صراع سياسي أو فئوي.
وتؤكد اللجنة أن معيار عملها هو خدمة الإنسان، وحماية حقوقه وكرامته، ومتابعة قضاياه بموضوعية واستقلالية، من دون تمييز أو انتقائية، ومن دون ادعاء امتلاك حلول تتجاوز إمكاناتها أو صلاحياتها.
إن نجاح هذه المبادرة يتطلب تعاونًا جادًا من الشخصيات والقامات الروحية والاجتماعية، ومن المؤسسات الرسمية والحقوقية والإنسانية، كما يتطلب مشاركة مسؤولة من السوريين المعنيين أنفسهم، كي تتحول الشكاوى المتفرقة إلى ملفات موثقة، والمطالب إلى مسارات متابعة واضحة، والجهود الفردية إلى عمل أهلي منظم.
فالكرامة الإنسانية لا تتجزأ، والحقوق لا تُصان بالوعود وحدها، بل بالعمل المسؤول والشفافية واحترام القانون.
أ.د.سعيد فارس السعيد
الكاتب والباحث الاستراتيجي المستقل
المتخصص بقضايا الأمن الاجتماعي والوطني